منشور العلم النافع
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
مقدمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ من أعظم أبواب الهداية أن يتعلّم الإنسان كيف ينظر؛ لا بعينه فقط، بل ببصيرته. فكم من آيةٍ تمرّ أمامنا كل يومٍ في أجسادنا، وفي الهواء الذي نتنفسه، وفي نبض القلب الذي لا يتوقف… ثم لا نتفكر ولا نبصر.
ومن هنا جاءت هذه الكلمات لتربط بين التأمل في النفس وبين العلم النافع الذي يقرب العبد من الله، ويرفعه في الدنيا والآخرة، ويترك أثرًا بعد الموت صدقةً جاريةً لا تنقطع.
إذا تأملتَ نفسك أدركت أن الله أودع فيك من الآيات ما يدلّ على قدرته ورحمته. من نطفةٍ ضعيفة إلى علقةٍ ثم مضغةٍ، حتى نُفخت الروح فصار الإنسان مخلوقًا متكاملًا يسمع ويبصر ويعقل.
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
قال ابن عباس رضي الله عنه: “يريد اختلاف الألسن والصور والألوان والطبائع.”
وقال ابن الزبير: “يأكل ويشرب من مدخل واحد ويُخرج من سبيلين.”، أفلا تبصر كيف دُبِّرت أعضاؤك بدقة؟
قيمة العلم النافع
قال النبي ﷺ: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له” [رواه مسلم].
فالعلم النافع حياةٌ للقلب والروح، يُصلح الدنيا والآخرة، ويُنير الطريق بعد الموت.
قال ابن تيمية رحمه الله: “العلم ما جاء به الرسول ﷺ، فما وافقه فهو علم نافع، وما خالفه فليس بعلم وإن سُمي علمًا.”
وقال ابن القيم رحمه الله: “العلم النافع هو ما كان مأخوذًا عن الوحي، يدلّ على الله ويقرب من رضاه، ويصلح القلب والعمل.”
جسدك والبيئة من حولك
انظر في جسدك: كيف يضخ القلب الدم بلا توقف، وكيف تتنفس الرئتان هواءً نقيًا خلقه الله متوازنًا بنسبة دقيقة من الأوكسجين والنيتروجين. لو اختلّت هذه النسبة لاختنق الإنسان، ولكن الله سخّر الكون ليحيا الجسد في انسجام مع البيئة.
التمييز بين النافع والضار
العلم النافع يزكّي النفس ويحمي المجتمع من الضلال، أما العلم الضار كسحرٍ أو خرافة، فضرره أعظم من نفعه، والجهل به خير من معرفته.
خلاصة
العلم النافع نعمة في النفس والبيئة معًا:
يطهّر القلوب ويُعمر الأرض.
يُعين الإنسان على أداء رسالته كخليفة لله في أرضه.
يُبقي أثره صدقة جارية بعد وفاته.
فهل أبصرت هذه الآيات في نفسك وفيما حولك؟
خاتمة
فالعلم النافع ليس كثرة معلومات، ولا زخرف مصطلحات، بل هو نورٌ يقود إلى الله، ويهدي إلى الصواب، ويثمر عملاً صالحًا وإصلاحًا للنفس والناس. وإذا كانت الآية تقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ فالمقصود أن نُحسن النظر والتدبر؛ لنستدل على عظمة الخالق، ولنعرف قيمة العلم الذي يزكي القلب ويقيم السلوك.
فاللهم ارزقنا علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا، وبصيرةً نتفكر بها في أنفسنا وفي آفاقك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



0 Comments